الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

269

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

وَقَلِيلٌ مِنَ الْآخِرِينَ » « 1 » . وهذا الحديث مشكل ومجمل فإن هنا قسمين مشتبهين ، والآية التي فيها وَثُلَّةٌ مِنَ الْآخِرِينَ [ الواقعة : 40 ] ليست واردة في شأن السابقين فليس في الحديث دليل على أن عدد أهل مرتبة السابقين في الأمم الماضية مساو لعدد أهل تلك المرتبة في المسلمين ، وأن قول أبي هريرة : « فنسخت وَقَلِيلٌ مِنَ الْآخِرِينَ » يريد نسخت هذه الكلمة . فمراده أنها أبطلت أن يكون التفوق مطردا في عدد الصالحين فبقي التفوق في العدد خاصا بالسابقين من الفريقين دون الصالحين الذين هم أصحاب اليمين ، والمتقدمون يطلقون النسخ على ما يشمل البيان فإنه مورد آية : ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ وَثُلَّةٌ مِنَ الْآخِرِينَ [ الواقعة : 39 ، 40 ] في شأن صنف أصحاب اليمين ومورد الآية التي فيها : وَقَلِيلٌ مِنَ الْآخِرِينَ هو صنف السابقين فلا يتصور معنى النسخ بالمعنى الاصطلاحي مع تغاير مورد الناسخ والمنسوخ ولكنه أريد به البيان وهو بيان بالمعنى الأعم . [ 15 - 26 ] [ سورة الواقعة ( 56 ) : الآيات 15 إلى 26 ] عَلى سُرُرٍ مَوْضُونَةٍ ( 15 ) مُتَّكِئِينَ عَلَيْها مُتَقابِلِينَ ( 16 ) يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدانٌ مُخَلَّدُونَ ( 17 ) بِأَكْوابٍ وَأَبارِيقَ وَكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ ( 18 ) لا يُصَدَّعُونَ عَنْها وَلا يُنْزِفُونَ ( 19 ) وَفاكِهَةٍ مِمَّا يَتَخَيَّرُونَ ( 20 ) وَلَحْمِ طَيْرٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ ( 21 ) وَحُورٌ عِينٌ ( 22 ) كَأَمْثالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ ( 23 ) جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ ( 24 ) لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْواً وَلا تَأْثِيماً ( 25 ) إِلاَّ قِيلاً سَلاماً سَلاماً ( 26 ) الجار والمجرور خبر ثالث عن أُولئِكَ الْمُقَرَّبُونَ [ الواقعة : 11 ] أو حال ثانية من اسم الإشارة . وهذا تبشير ببعض ما لهم من النعيم مما تشتاق إليه النفوس في هذه الحياة الدنيا لتشويقهم إلى هذا المصير فيسعوا لنواله بصالح الأعمال ، وليس الاقتصار على المذكور هنا بمقتض حصر النعيم فيما ذكر فقد قال اللّه تعالى : وَفِيها ما تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ [ الزخرف : 71 ] . والسرر : جمع سرير ، وهو كرسي طويل متسع يجلس عليه المتكئ والمضطجع ، له سوق أربع مرتفع على الأرض بنحو ذراع يتخذ من مختلف الأعواد ويتخذه الملوك من ذهب ومن فضة ومن عاج ومن نفيس العود كالأبنوس ويتخذه العظماء المترفهون من

--> ( 1 ) رواه أحمد وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه ، وزاد ابن أبي حاتم قوله : « وقالوا إذن لا يكون من أمة محمد إلا قليل . وزاد « فنخست وَقَلِيلٌ مِنَ الْآخِرِينَ » .